السيد محمد بيرم الخامس التونسي

61

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

الصلاة والسلام من وصف الجنان وأن فيها : « ما لا يخطر على قلب بشر » « 1 » . فإذا كانت هاته مصر لم يكن يخطر بالفكر تشخص صورتها إلا بعد رؤيتها مع أنها من مواد معهوداتنا فكيف بما لم نعهد مادته ولا نتصور طبيعته . وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [ القصص : 68 ] وهو على كل شيء قدير . فإجمال وصف هاته المصر المتمصرة إنها بلد في سهل بها ربى قليلة الارتفاع يخترقها « نهر السين » الذي يحمل القوارب والبواخر الصغيرة ، وعليه في البلد عشرون جسرا مختلفة الأشكال ، منها : ما هو من قوس واحد من حديد ، ومنها : ما هو من بناء وتمر تحته البواخر ، ومنها : واحدة في طرف البلد جهة قرية تيسي عليه جسر آخر مرتفع جدا على حنايا يمر عليها الرتل في طريق الحديد ، فترى البواخر جارية في النهر وعلى الجسر المشاة والفرسان والعجلات ومن فوقهم الرتل كأنه سابح في الهواء . وكل جسر مقسوم على ثلاثة طرق : فاليميني والشمالي للمشاة والوسط للركاب والعجلات ، وفي وسط النهر جزيرة كثيرة بها مباني وديار ، ويخرج من هذا النهر ترعة تذهب جهة الشمال الغربي من المملكة إلى أن تتصل بنهر « المارن » وهي في أغلب البلد مغطاة بالبناء المنعقد وعليها الأبنية ، ويحيط بالبلد سور منخفض شديد العرض عليه حصون في جميع أنحائه وخارجه خندق عريض جدا عميق يملأ بالماء من النهر عند الحاجة ، وللسور أبواب أنيقة من الحديد ومحيط دائرة السور أربعة وثلاثون ألف متر . وثم تقسم المصر إلى عشرين قسما كل قسم منفرد بإدارته كأنه بلد مستقل ، ثم يتحد الجميع في الإدارة العامة في المجلس البلدي الذي هو أحق باسم دولة إذ دخله 261 مليون منها : من إيراد الغاز 180 مليون ومصاريفه نحو ذلك ، منها : 99 مليون لفائدة الدين و 22 مليون إلى المكاتب والنافعة و 16 مليون للمحتاجين وما بقي لمصالح المدينة كله يصرف في مصالح البلد وتحسينها ، وعلى المجلس من الديون أزيد من ألف مليون صرفت في التحسين إذ أنه لم يزل يشتري حارات ويهدمها ويفتح فيها طرقا وبطحاآت وما فضل يبيعه أو يبني فيه مساكن وحوانيت على حسب ما يقتضيه المكان ، وقد شاهدت في سفرتي الثانية لهاته المصر أن المجلس البلدي فتح طريقا مستقيما متسعا من بطحاء الأوبرة الكبيرة إلى بطحاء « بالي أروايال » وباع ما فضل من الأرض ، فبلغ ثمن الميترو الواحد من الأرض على التربيع أربعة آلاف وخمسمائة فرنك ، وبلغ سعر الميترو حول النهج الموصل إلى أبوادي بولونيا إلى ثلاثة آلاف فرنك وهكذا .

--> ( 1 ) الحديث في المسند للإمام أحمد 2 / 438 وفي الترغيب والترهيب للمنذري 4 / 521 ، 557 وفي اتحاف السادة المتقين للزبيدي 8 / 568 ، 10 / 535 ، 550 ، وفي مسند الحميدي رقم ( 1133 ) وفي الدر المنثور للسيوطي 5 / 176 وفي الأسماء والصفات للبيهقي ( 208 ) وفي الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر ص 131 . ولفظه : « أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » .